الأحد، أكتوبر 30، 2011

أليس الصبح بقريب؟


مسافرٌ هو إلى حيث لا ظلم ولا افتراءَ ولا عسكر ، مسافرٌ لا يمنعهُ قرارٌ في مطار، مشاغبٌ لا يعبأ بقراراتِ استدعاءٍ ، ولا تهديدِ مخبرين ، مسافرٌ تحت جنازيرِ مدرعةٍ أمام أعينهم جميعاً ولا أحدَ يجسرُ أن يضع في يده القيود.
هكذا كنّا نتصور ، أو كما قال رفيقه "علاء عبدالفتاح" ذات يوم : "تغيب عنا الآخرة لكننا نعرف مصير الشهداء" ، لكن ما غاب عنا لم يغب عن مخابراتهم ، يعرفون كيف يرسلون بصاصيهم لاعتقالهِ ، ويثقونَ أن حكماً - وإن غيابياً - سينفذ عليه هناك ، هل غرَّهم تشابه الأسماء وظنّوا أن ثمة صلةٌ روحانيةٌ بين الملأ الأعلى والمجلس الأعلى !

"مينا دانيال" الشهيدُ المقتولُ على يد القاضي ، يستدعيه القاضي نفسُه للتحقيق ! ليس مشهداً في أحد أفلام "رافت الميهي" ولا هو نكتة قالها صديق على قهوة في وسط البلد ، بل هو أحد تجليات مولانا العارف بالوطن هناك في محراب المجلس الأعلى !

حين يضع القاتلُ المقتولَ على قائمة الاتهام ، وينتظر أن يهتف الناسُ :"يحيا العدل" ، وحين يخرج لنا تافهٌ لسانَه - الذي يزعم أنه هو نفسَه لسانَ المجلس الأعلى للقوات المسلحة - ، يصدق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سيأتي على الناس سنوات خدّاعات، يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة" !

"تخلوا عن الخبراء واسمعوا الشعراء فنحن فى ثورة. دعوا العقل وتمسكوا بالحلم فنحن فى ثورة. احذروا الحذر واحتضنوا المجهول فنحن فى ثورة. احتفلوا بالشهداء، ففى وسط الأفكار والرموز والقصص والاستعراضات والأحلام لا شىء حقيقياً إلا دمهم ولا شىء مضمونا إلا خلودهم" هذا ما قاله أيضاً "علاء عبدالفتاح" ذات يوم ، لكنهم تخلوا عن الخبراء والشعراء ، وتركوا العقلَ والحلم ، واحتفلوا بالشهداء على طريقتهم ، مبدعونَ في احتفالهم ، عزَّ عليهم أن يكون في تاريخنا شهيدٌ طائرٌ ، فأضافوا إليهِ شهيدٌ معتقل !

علاء ، إنهم لا يقرأون ولا يفهمون ، متبّعون لا مبتدعون ، سائرون على درب كبيرهم الذي علمهم السحرَ ، وما زال ينفث في عقده وهو يلعب في منخاره منتشياً : "  أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون " ،  فدع عنك الكلامَ ، واصرخ بصمتكَ في وجوههم : "أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون؟!" ، دعهم في غيهم يعمهون ،  فإنما يستدرجهم غباؤهم إلى حتفهم "إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ، أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيب؟!"

السبت، أكتوبر 29، 2011

إذا كانت حرب ليبيا من أجل إنقاذ الأرواح ، فقد فشلت فشلاً ذريعاً

إذا كانت حرب ليبيا من أجل إنقاذ الأرواح ، فقد فشلت فشلاً ذريعاً

ترجمة سريعة لمقال "" في الجارديان


أعلنت منظمة حلف شمال الأطلسي أن عملياتها بهدف حماية المدنيين في ليبيا ، لكنها أسفرت عن مقتل مدنيين أكثر. إنه تحذير للعالم العربي وأفريقيا.

حين يبدو " الربيع العربي " - حتى الآن - مزهراً في عيون المتفائلين خصوصاً وقد تكلل هذا الأسبوع بانتخابات ناجحة في تونس ، فإن صورته  تبدو بشعة في ليبيا. ليس فقط بسبب إعدام القذافي المخالف للقانون والذي جاء نتيجة هجوم حلف شمال الاطلسي على موكبه  وانتشرت فيديوهاته على اليوتيوب ولكن هناك ماهو أهم .

كان طاغية ليبيا قد قتل قتلاً مروعاً بعد ان اعتدى عليه محتجزيه بسكين ، وهي بالتأكيد جريمة حرب. لكن مما لا شك فيه أيضا  أن الكثير داخل وخارج ليبيا كان يشعر بردة فعل انتقامية بعد سنوات من عنف النظام فقد ضحكت وسخرت كلينتون أمام الكاميرا من مقتله ، إلى أن اضطرت الى الدعوة لاجراء تحقيق نتيجة الاشمئزاز العالمي المتنامي.

ورغم أن وسائل الاعلام الغربية  أشادت بـ "التحرير" في ليبيا واحتفت به بصورة واضحة ، فإن عملية  قتل القذافي جاءت لقطة في مشهد أكبر بكثير.

يوم الثلاثاء ، ذكرت منظمة "هيومن رايتس وتش " لحقوق الإنسان عن اكتشاف 53 جثة ، لعسكريين ومدنيين ، في سرت - معقل القذافي الأخير- يبدو أنهم أعدموا وأيديهم مكبلة على يد الميليشيات المتمردة السابقة.

بيتر بوكارت المحقق في ليبيا  قال لي امس ان مزيدا من الجثث لا تزال تكتشف في سرت ، حيث تشير الأدلة إلى مقتل نحو 500 شخص من المدنيين والعسكريين ، قتلوا في الأيام الـ 10 الماضية وحدها عن طريق اطلاق النار وقصف حلف شمال الاطلسي.

يضاف إلى هذا حصار 100.000 نسمة  لمدة شهرين تحت قصف عشوائي - من قبل القوات المتمردة الممنتصرة حديثا مع قوات الناتو الجوية ودعم القوات الخاصة - يمكن تشبيهها بما حدث في غروزني.

وهذه المذبحة ليست سوى كشف آخر من هذه الاكتشافات الكثيرة ، فمنظمة العفو الدولية  تعد تقريراً مختصرا عن أدلة عن عمليات اختطاف واعتقال جماعي وتعذيب ممنهج ، وعمليات قتل وحشية من قبل الميليشيات المتمردة ، وأيدتها بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة - خلال الأشهر الثمانية الماضية – والتي كان المفترض أن مهمتها هي إيقاف هذا النوع من الجرائم التي يرتكبها نظام القذافي .

طوال ذلك الوقت خضع المهاجرون الأفارقة والليبيون السود لحملة عنصرية لا هوادة فيها يتخللها عمليات قتل جماعي واعتقال وفظائع على خلفية اعتبارهم من المرتزقة الموالين للنظام ، وتستمرهذه الهجمات ، كما يقول بوكايرت ، الذي شهد الميليشيات من مصراتة هذا الأسبوع  لتصل إلى حرق المنازل في مدينة " تاجوراء" حيث يسكنها أغلبية سوداء اتهمت بدعم القذافي.

بالتأكيد فإن وسائل الإعلام وقادة حلف شمال الاطلسي قد غضت الطرف عن مثل هذه الفظائع ، ثم إنها تتباهى بانتصار الحرية مهمهة  بضرورة ضبط النفس. وهنا يبدو واضحا تماما أنه إذا كان غرض التدخل الغربي في الحرب الأهلية في ليبيا هو "حماية المدنيين" وإنقاذ الأرواح ، فقد فشل فشلا ذريعا.

نجح ديفيد كاميرون ونيكولا ساركوزي في الحصول على تصريح من مجلس الامن الدولي لاستخدام "كل الوسائل الضرورية" في مارس على أساس أن قوات القذافي كانوا على وشك ارتكاب مجزرة  تشبه مجزرة سريبرينيتسا في بنغازي.
بطبيعة الحال نحن لا نستطيع أبدا معرفة ماذا كان يمكن أن يحدث من دون تدخل حلف شمال الاطلسي. ولكن ليس هناك في الواقع أي دليل - بما في ذلك المدن التي سيطر عليها المتمردون بعد القبض على القذافي -- يشير إلى أنه كانت هناك القدرة أو حتى النية لتنفيذ مثل هذه الأعمال الوحشية ضد المدنيين.

ومع ذلك  فما هو معروف الآن ، أنه بينما كان عدد القتلى في ليبيا عند بدء تدخل حلف شمال الاطلسي يتراوح بين  1.000 و 2.000 (استنادا الى تقديرات الامم المتحدة) ، فإنه بعد ثمانية أشهر - حين رفض قادة حلف شمال الاطلسي مفاوضات وقف إطلاق النار - أصبح العدد أكثر من عشرة أضعاف هذا الرقم ، حيث تشيرالتقديرات أن عدد القتلى خلال الاشهر الثمانية الماضية يتراوح بين 10.000 و 50.000 بينما يعلن المجلس الوطني الانتقالي أن الخسائر كانت 30.000 قتيلا و 50.000 جريحا.

بين هؤلاء الآلاف عدد لا يحصى من المدنيين ، بما فيهم أولئك الذين قتلوا جراء قصف قوات حلف شمال الاطلسي، هذه الأرقام أكبر بكثير من عدد قتلى هذا العام في الانتفاضات العربية الأخرى الأكثر دموية في سوريا واليمن. حلف شمال الاطلسي لم يحمِ المدنيين في ليبيا - فقد تضاعف عدد الوفيات ، في حين لم يفقد جنديا واحداً من جنوده.

بطبيعة الحال  بالنسبة للقوى الغربية ، فإن الحرب الليبية قد سمحت لهم باستعادة ما فقدوه في تونس ومصر ، سامحة لهم بالوجود في قلب الاضطرابات التي تجتاح المنطقة الأكثر حساسية من الناحية الاستراتيجية في العالم ، والاستفادة بمزايا تجارية جديدة في دولة غنية بالنفط لم تكن توفرها لهم القيادة السابقة في أحسن الأحوال. لا عجب إذن أن يقوم وزير الدفاع البريطاني الجديد بدعوة رجال الأعمال الى "حزم حقائبهم" لليبيا ، وأن يصر السفير الاميركي في طرابلس على ان هناك حاجة للشركات الأمريكية على "نطاق كبير".

لكن بالنسبة لليبيين يعني ذلك فقدان حريتهم في تحديد مستقبلهم ، وفرض نظام يستحوذ عليه المنشقون عن نظام القذافي وتفرض عليه الإدارة الغربية والولايات المتحدة والاستخبارات البريطانية شروطها.

ربما كان التحدي الأكبر لهذا الاستحواذ سوف يأتي الآن من القادة العسكريين الإسلاميين على أرض الواقع ، مثل القائد عبد الحكيم بلحاج طرابلس – الذي خطف من قبل MI6 وأرسل ليعذب في ليبيا عام 2004 – والذي اصبح واضحاً بصورة لا تدع مجالاً للشك أنه لن يتلق الأوامر من المجلس الوطني الانتقالي.

لا عجب أن يدعو قادة المجلس الان حلف شمال الاطلسي إلى البقاء ، وأن يعرب مسؤولو حلف شمال الاطلسي عن استعدادهم للمساعدة في " اتخاذ إجراءات "تحول دون اقتتال الفصائل الليبية فيما بينها .

سابقة ليبيا تشكل تهديدا لآمال التغيير الحقيقي والاستقلال في العالم العربي وما بعدها.
في سوريا بينما الوضع على شفا حرب أهلية شاملة بعد أشهر من القمع الدموي ، فهناك عناصر من المعارضة بدأت في الدعوة الى "منطقة حظر طيران" لحماية المدنيين.
وفي أفريقيا ، يرسل باراك أوباما قواته إلى أوغندا في الوقت الذي تقدم فيه فرنسا دعماً عسكرياً للقوات الكينية العاملة في الصومال ، السباق على أشدِّه للفوز بفرص للحصول على موارد جديدة لا حدود لها تحت غطاء الأسباب الإنسانية.


في تونس حيث فاز حزب إسلامي تقدمي "النهضة" في الانتخابات التونسية هذا الاسبوع على منصة الديمقراطية التعددية والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني. انتصرت تونس على القمع الوحشي ، وتحول ذلك كرد فعل لانتفاضات في البلدان العربية الأخرى ، ولكن تلك الروح هي القوة الدافعة للحركة من أجل التغيير عبر التلاعب الطويل في المنطقة والتي تهيمن عليها القوى الأجنبية.

أشدُّ ما في هذه المأساة الليبية الوحشية هو أن التدخل الأجنبي لا يخنق الحرية أو يقتل الوطنية وحق تقرير المصير فقط بل هو أيضا لا يحمي أرواح المدنيين .

إن كان قال فقد صدق

ثلاثة أيام أتابع من موقعي على الكنبة ما يثار عن "عصام عطا" ، وهالني اختلاف الروايات بين الحقوقيين أنفسهم ، ثم بين شهود العيان وأطباء التشريح وأطباء التحرير وحيث أنني لم أر بعيني ولم أسمع من ثقةٍ رواية محددة ؛ ليس لدي ما أقوله سوى بعض إشارات وخزت عقلي وأنا أقرأ :


1- الإجراءات تمت بصورة مريبة ومستترة ، فدخول "عصام" إلى مستشفى القصر العيني والكشف عليه تم بدون أوراق رسمية، ودون إبلاغ أهله أو محامييه.
2- محاولة النيابة إغلاق التحقيق اعتماداً على الكشف الظاهري دون تدخل الطب الشرعي.
3- منع دخول أقارب المتوفى من الدرجة الأولى إلى المشرحة.
4- المحاولات المستميتة من ضباط الداخلية لنفي حدوث التعذيب قبل التحقيق .
5- اللجوء إلى البحث في صحيفة المتوفى جنائياً ، واتهامه أن كان مسجل خطر أو بلطجي ، وكأنهم يوحون إلينا أن لو عُذِّب فلا حرج فما هو إلا "كلب وراح".


تذكرت قصة الراعي الذي حكاها لنا مدرسنا في الابتدائي ، ذلك الراعي الذي صرخ :"الحقوني الديب هياكل الغنم" ، وحين هرع له الناس ضحك :"هييييييييييييه كنت باهزر معاكو" ، مرة تلو مرةٍ يكررها ويقل عدد المستجيبين حتى جاءه الذئب ذات ليلة فصرخ ولم يستجب له أحد !


وحيث أن السيناريو يعيد نفس سيناريو "خالد سعيد" الذي انبرت الداخلية والطب الشرعي والقضاء في اثباته ، وساعدهم في هذا الإعلام الرسمي والمطبلاتية ، بل حتى في داخل أروقة العدالة نفسها إذ قال رئيس المحكمة التي تنظر القضية في جلسة خاصة أنا شاهدٌ عليها :" كل لجان الطب الشرعي اللي انتدبناها أكدت إنه مات باسفكسيا الخنق ، طب أعمل إيه؟؟ لو حكمت باللي ضميري مستريح له الشارع هيولع ، وماقدرش أخالف ضميري ، فمضطر أأجِّل يمكن يبقى في حل" !


وانتهى الأمر باثبات أن الداخلية والطب الشرعي والنيابة متواطئون ، وأن "خالد" توفي بأيديهم وأن اللفافة لم تكن إلا ذئب يوسف!


ولأنه من الطبيعي أن تكون الشرطة والنيابة والقضاء والطب الشرعي شهود الحقيقة في أي مجتمع ، فعلينا حين يصدر بيان أحدهم أن نسلم طائعين غير مشككين ، وهنا يحدث الاستقرار النفسي الذي ينسحب بدوره بداهة على استقرار المجتمع كله الذي ينشده دعاة الاستقرار في هذا الوطن.


لكن ..
لأنه – طوال سنين كثيرة مرت – أثبت هؤلاء جميعاً بلا ما لا يدع مجالاً للشك أنهم ليسوا أهلاً للثقة ، وأنهم مراوغون فشلة ، فحتى حين يكذبون يكون كذبهم فجاً ومفضوحاً بصورة تبعث على السخرية.
ولأننا بعد ثورة يناير يراد لنا أن نصدق أن شيئاً ما تغير ، رغم أن الدولة الجديدة – إن كانت هناك نية للتغيير فعلاً – لم تستطع أن تقنع الناس أن تغييراً ما حدث ، وأن الضابط الآن هو ضابط شريفٌ محترم ، فكل من ثبت تورطه حوكم وأبعد عن الوزارة ، وأن النيابة العامة والقضاء هما ضمير القانون على الأرض ولا يخشون في الحق لومة لائم ، وأن من طالته شبهةٌ تطهر منها بتحقيق نزيه أو أخرج غير مأسوفٍ عليه ،وأن الطبيب الشرعي هو عيننا الخبيرة التي تصف لنا ما حدث دون أن تخشى فلان أو تأتمر بقول علان .


حين يحدث هذا - وهذا فقط - يمكننا أن نلجم أفواه المزايدين والمشككين صارخين في وجوههم : إن كان قال فقد صدق !

الجمعة، أكتوبر 28، 2011

شاهدٌ شهيد

رؤيا

دمهُ حين سقى طين هذه الأرض الطيبة ، تشكل ترابها جرافيتي :"من قتل نفساً بغير نفسٍ فكأنما قتل الناس جميعاً" وانتفض القتلى – المحتملون – صارخين في وجه قاتلهم : كفى!

ولأن قاتلهم يؤمنُ أن له ملك مصرَ وهذه الأنهارُ تجري من تحتِه ، وأن الله اصطفاهُ وحدَهُ ليرثَ هذه الأرض ، أبى أن يسجد للحق الذي ظهر ، واستكبرَ ، كيف يسجدُ ويطأطئ رأسه وهو الذي يقف على كتفه نسر مصرَ وتزين نجومُه ليلَها !
كان البركان المنتفض من رحم هذه الأرض أقوى من أن يُخمَدَ ، حممه تتناثر غاضبةً في كل اتجاه ، لا تبقى ولا تذر ، لا عاصم اليومَ من أمر الله ، فآوى إلى "بلطجيةٍ" يحمون ظهرَهُ ، وإلى قانونٍ مدَّعٍ يعصمه من الثوارْ ، وأرسل لنا آخاه الطيِّب فألقى في روعنا أن قضي الأمرُ فيا أرض ابلعي ماءَكِ ويا سماءُ أقلعي ، طبتم وطاب ممشاكم ! ولأننا طيبون اغرورقت عيوننا بالدموع وأكملنا : "وقيل بعداً للقوم الظالمين" ، وكان يتمتم في نفسه : "وقيل بعداً لحرية ترجونها أو نصرٍ تحلمونَ بهِ "
وفرحنا ورقصنا وغنينا ثم عدنا هانئين إلى مخادعنا مؤتمنين أخاه الطيِّب على نصرنا الذي بدا لنا!

مبتسماً نظر لي "خالد سعيد" ، مسحت دموع ابتسامته بمنديلٍ ، وقبلتُ جبينه : ارقد بسلامٍ يا "خالد" ، دمُكَ صار يجري في عروق هذه الأرض ، ولن تهدأ الأرض حتى تلفظَ خبثها ويعودُ بعضُ حقك .

ماذا قلتُ ؟ "دموع ابتسامتِهِ؟!" ، هذه أضغاث أحلام فلماذا أدقق النظر إلى جملة تبدو مضطربة ، ما علينا !

سبعٌ عجاف

النسرُ على كتفِ القاتل أخذ برأس أخيه يجرّهُ إليه ، فقال ياابن أمَّ : لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ، بعزَّتك لأغوينهم أجمعين !
أشهرٌ سبعةُ تمرُّ ، الأخ الذي بدا طيباً يفي بوعده لأخيه ، يغوي الثوّار ويقعُدنَّ لهم صراطهم المستقيم ، ويتوحشُ النسرُ ، فيصبحُ دمُ خالد ألف دمٍ وعشرةَ آلاف مصاب ، لا ليس ألفاً ، زد عليهم 3 هناك واثنين هنا وثلاثونَ على الهويَّة ، وفقيرٌ بدا له أن ينطق في حضرةِ صاحب النسر واهماً بأن العدل تحقق ، وفقيران لم يعجب شكلهما حضرتُه ، وواحدةٌ كانت تخفى إيمانها بالثورة فوشى بها أحدهم ... يا ألله صار دمك يا "خالد" متوالية هندسية تتكاثرُ لا يمكن أن تحصى !

شهرٌ آخر ، هل نجح في إغوائنا وإلقاء العداوةِ في قلوبنا ، وتشرذمنا ؟! ...

عشرة أيامٍ : حكمت المحكمةُ بسبع سنين مشددةٍ على قاتليكَ يا خالدْ !" فقط سبعة أعوام ؟؟؟ هل هذا ثمن دمك؟ ، وهل حُكِمَ على قاتليكَ فعلاُ ؟ أم انهم تخيروا أضعف اثنين في الحكاية واتخذوا منهما كبشي فداء ، وهل أسرَّ إليهما أحدهم : إني معكما أسمعُ وأرى ! اصبرا قليلاُ ولكما مكافأة كبيرة حين ينتهي الأمر !

يومٌ آخرُ ، "عصام" يموتُ كما متَّ يا "خالد" ، يخرج صاحب النسرِ لسانه لنا ويقول " ألم أقل إن لي مُلك مصرَ ؟!

صدق الله : "ولكنهم أحياءٌ عند ربهم" ، كانت ابتسامتك حقيقةَ يا خالد ، لم تكن اضغاث أحلام ! الآن فقط أفهم لماذا كانت تغمرها الدموع .

ياليت قومي يعلمون

على باب الحرية أوقفتكم ، فُتِحَ البابُ فلماذا أدرتم ظهوركم وقفلتم راجعين؟؟ يقول خالد!
أنا وسيد بلال و سليمان صابر ومينا وعصام نطوف كلَّ ليلة بأصحابنا الآخرين نسهرُ معهم ، يعيدون ذكرياتهم في التحرير ، وفي السويس ، وعند مسجد القائد إبراهيم ، يحكون لي عن الإسكندرية وكيف كانت ترتجّ وهي تهتف أن دمي لن يضيع وأن الخائنين سيسقطون ، يحكون لي عنكم ونرقبكم ، ماذا دهاكم ؟
تختلفون على موطئِ قدمٍ للصلاة ؟ تتصارعون على كرسيٍ يملكه أصحاب النسور والنجوم المزيفة ! تتنابذون بالألقاب ، وتستكثرون علينا أن يغفر الله لنا !
تتشاجرون : بلطجية ليسوا شهداء ، كانوا مدمني مخدرات ، "حلال فيهم القتل" ، "هتعملوا منهم أبطال" ، "علمانية/ليبرالية/إسلامية/مدنية....." ، المادة الثانية ، المادة الخامسة ، مليونية ، لا ألفية ، " يا عم قول عشرات" !
إنها عسكرية فلولية أيها الأخوة الأعداء ، تختلفون أنتم وهم وعد أخوهم فوفَّى !

"أحبُّها من كل روحي ودمي" ، كنا نغينها معاً ، وقد وفينا بحبنا ، وروينا أرض مصر الطيبة بأرواحنا ودماءنا ، فهل تفون بوعودكم !

كم جميلٌ أن تموت فداء هذه الأرض ، يا ليت قومي يعلمون !

الجمعة، أكتوبر 21، 2011

طيب الله أوقاتكم


هات لي معاك بكرة

مائتا يومٍ وخمسون برفقة تفاؤلٍ حذرٍ وقلقٍ لا يرحم، يا الله!! هل كتب على هذه الأرض الطيبة أن تقاومَ حتى آخر شهيدْ؟!

ألفانِ ومائتان ، واحدٌ وواحدُ ، سبعةٌ وعشرونَ ، شهداءُ سقطوا حتى يُشرقَ فجرٌ يضعُ مصرَ في جملةٍ مفيدة ، ويقول النحويون : مصر ممنوعةٌ من الصرفِ .. فهل هي ممنوعةٌ من الحلم ؟
" لو سمحتوا وسَّعوا شوية .. عايز أصوَّر مصر .. العدسة مقفولة ولاَّ الدنيا ضلمة ؟!" ،
" وحياتك وصِّي أول واحد جايّ يجيب لنا معاه بكره .. اوعى يجي فاضي" مبتسماً قال الشهيد أحمد بسيوني.
أول شهيد جاي ؟!
"بكره" سوف يأتي ، عفواً لا أستطيع أن أعرف رقم الشهيد الذي سوف يحملُهُ !

سد الحنك

طريقُه إلى "عتليت" ابتدأ بالزغاريد واختلط بالدموع ، وانتهى بحقٍ لنا – ولو أحياناً – أن نقاومْ رغم أسهمٍ تأتى من الخلفْ ، وفي طريقه إلى "غزوة مانهاتن" دق أجراس الخطر لنحذرَ معجنةً يراد لنا جميعاً أن نبقى فيها ؟!
عبر إلى المجهول محتضناً – إبراهيم – ذلك الطفل المضئَ الوجه ، كرةً تدحجرت من أفغانستان وعبرت العراقَ إلى بلاد الشامْ .. وسكر – في فاس - على ذكر الحبيب بلا خمرِ !
وهنا في أرض الكنانة بصوته المميز أعلن أن حاجز الخوف انكسر وأننا لا نزال في المنتصف ، ولأنَّ جهةً - ما - لا تريد أن نقرأ الفاتحة على الأنظمة العربية ، ولا تريد لنا أن نجتاز المسافة الحقيقية بين الحاكم والمحكوم ؛ تجاهدُ حتى تعودَ بنا من المنتصف الذي قطعناه إلى المربع رقم واحد .
غُصةٌ مهنيةُ هو في حلق العسكر ، تُذَّكرهم : "يا ويل من لا يعرفون بعد هذا كلِّه متى يرحلون !" ، ولأنهم – ربّما – لا يريدون الرحيل هكذا ببساطة عزموه على فنجان من الشاي بالياسمين وقطعتين من سدِّ الحنك ، الشايُ يصيبه بالقرحة المهنيةِ ولا يجد في قواميس لغته معنى لـ"سد الحنك" ولا يرضى له ضميره إلا أن يقولَ خيراً فصمتْ !

الشعب يريد

أنت وهو وأنا نريد هواءً نقياً ، وماءً كريماً ، وطعاماً من غير سوء ، نريد أن يجد "عم محمد " ما يسترُ به ابنته دون أن يتسول ، ويريد "عم جرجس" أن يصلي لله صلاة المحبة لا صلاة الخوفْ ، ويريد "أحمد بسيوني " و"مينا دانيال" ألاّ نعيد ترميم حاجز الخوف ، وألاّ يحجب عنهم الجدارُ العازلُ نورَ مصرْ.
وحتى يتحقق لنا ما نريدُ ، يجب أن ندفع الثمن شهداءً ، وشهوداً يذكروننا حين يطول الأمد علينا وتقسو قلوبنا ..
شهداءنا عند ربهم يرزقون ، يربطون على قلوبنا ، ويمدون ضعفنا بسكينةٍ من ربهم ، لكنَّ جهةً - ما – لا تزال تحاول أن توحى لنا أنهم عملاء بلطجية ، وتنفث في روعنا سطوراُ من أجنداتهم الملوثة!
وشهودنا يشربون الشايَ بالياسمين إلا من أبى ، فعليه لعنةُ العسكرِ وأسامةُ والفلولُ أجمعينْ ،
يترك بلال فضل ومحمود سعد قناة التحرير ، ويبيع عيسى حصته فيها ولا نعلم متى سيرحلُ ، وقبلهم تغتالُ شجاعةُ دينا عبدالرحمن صوتَها ، واليوم يصمتُ فودة ..
ولأن الشعب إذا أرادَ استجاب له القدرْ ، ولعب المرجفون في "مناخيرهم" ؛ دعا "أسعد طه" و"أهداف سويف" إلى "قناة فضائية شعبية" تحمل الشهادةَ وتقض مضجعَ المرجفين في المدينة ، وأَمّنَ على دعائهما "بلال فضل" ووراءه كثيرون ممن يجري فيهم دم هذا الوطن ويغالبون الشيطانْ.

أيها الشعب العظيم .. طيب الله أوقاتكمْ