السبت، أكتوبر 29، 2011

إن كان قال فقد صدق

ثلاثة أيام أتابع من موقعي على الكنبة ما يثار عن "عصام عطا" ، وهالني اختلاف الروايات بين الحقوقيين أنفسهم ، ثم بين شهود العيان وأطباء التشريح وأطباء التحرير وحيث أنني لم أر بعيني ولم أسمع من ثقةٍ رواية محددة ؛ ليس لدي ما أقوله سوى بعض إشارات وخزت عقلي وأنا أقرأ :


1- الإجراءات تمت بصورة مريبة ومستترة ، فدخول "عصام" إلى مستشفى القصر العيني والكشف عليه تم بدون أوراق رسمية، ودون إبلاغ أهله أو محامييه.
2- محاولة النيابة إغلاق التحقيق اعتماداً على الكشف الظاهري دون تدخل الطب الشرعي.
3- منع دخول أقارب المتوفى من الدرجة الأولى إلى المشرحة.
4- المحاولات المستميتة من ضباط الداخلية لنفي حدوث التعذيب قبل التحقيق .
5- اللجوء إلى البحث في صحيفة المتوفى جنائياً ، واتهامه أن كان مسجل خطر أو بلطجي ، وكأنهم يوحون إلينا أن لو عُذِّب فلا حرج فما هو إلا "كلب وراح".


تذكرت قصة الراعي الذي حكاها لنا مدرسنا في الابتدائي ، ذلك الراعي الذي صرخ :"الحقوني الديب هياكل الغنم" ، وحين هرع له الناس ضحك :"هييييييييييييه كنت باهزر معاكو" ، مرة تلو مرةٍ يكررها ويقل عدد المستجيبين حتى جاءه الذئب ذات ليلة فصرخ ولم يستجب له أحد !


وحيث أن السيناريو يعيد نفس سيناريو "خالد سعيد" الذي انبرت الداخلية والطب الشرعي والقضاء في اثباته ، وساعدهم في هذا الإعلام الرسمي والمطبلاتية ، بل حتى في داخل أروقة العدالة نفسها إذ قال رئيس المحكمة التي تنظر القضية في جلسة خاصة أنا شاهدٌ عليها :" كل لجان الطب الشرعي اللي انتدبناها أكدت إنه مات باسفكسيا الخنق ، طب أعمل إيه؟؟ لو حكمت باللي ضميري مستريح له الشارع هيولع ، وماقدرش أخالف ضميري ، فمضطر أأجِّل يمكن يبقى في حل" !


وانتهى الأمر باثبات أن الداخلية والطب الشرعي والنيابة متواطئون ، وأن "خالد" توفي بأيديهم وأن اللفافة لم تكن إلا ذئب يوسف!


ولأنه من الطبيعي أن تكون الشرطة والنيابة والقضاء والطب الشرعي شهود الحقيقة في أي مجتمع ، فعلينا حين يصدر بيان أحدهم أن نسلم طائعين غير مشككين ، وهنا يحدث الاستقرار النفسي الذي ينسحب بدوره بداهة على استقرار المجتمع كله الذي ينشده دعاة الاستقرار في هذا الوطن.


لكن ..
لأنه – طوال سنين كثيرة مرت – أثبت هؤلاء جميعاً بلا ما لا يدع مجالاً للشك أنهم ليسوا أهلاً للثقة ، وأنهم مراوغون فشلة ، فحتى حين يكذبون يكون كذبهم فجاً ومفضوحاً بصورة تبعث على السخرية.
ولأننا بعد ثورة يناير يراد لنا أن نصدق أن شيئاً ما تغير ، رغم أن الدولة الجديدة – إن كانت هناك نية للتغيير فعلاً – لم تستطع أن تقنع الناس أن تغييراً ما حدث ، وأن الضابط الآن هو ضابط شريفٌ محترم ، فكل من ثبت تورطه حوكم وأبعد عن الوزارة ، وأن النيابة العامة والقضاء هما ضمير القانون على الأرض ولا يخشون في الحق لومة لائم ، وأن من طالته شبهةٌ تطهر منها بتحقيق نزيه أو أخرج غير مأسوفٍ عليه ،وأن الطبيب الشرعي هو عيننا الخبيرة التي تصف لنا ما حدث دون أن تخشى فلان أو تأتمر بقول علان .


حين يحدث هذا - وهذا فقط - يمكننا أن نلجم أفواه المزايدين والمشككين صارخين في وجوههم : إن كان قال فقد صدق !

ليست هناك تعليقات: